عدمُ تحريف الكتاب المقدَّس

إذا أردْنا أن نردَّ على المعترضين من خلال آياتٍ من القرآن تثبت صحَّة الكتاب المقدَّس (التوراة والإنجيل)؛ وتؤكِّدُ عدم تحريفه، فيلزمُنا أن نطرحَ سؤالًا مهمًّا على أولئك المعترضين: ‘‘متى وقعَ التحريف بحسب رأيكم: قبل زمن النبيِّ محمَّد أم بعده؟’’. فلنُناقِشْ ذلك.

الادِّعاء الأوَّل:

هل وقعَ التحريف قبل زمن نبيِّ الإسلام؟

يقول أصحاب هذا الرأي إنَّ الكتاب المقدَّس حُرِّفَ قبل زمن النبيِّ محمَّد. ففي برنامج على فضائيَّة إيه آر تي (ART)، أخذَ أحَدُ دعاة الإسلام يشكِّك في صحَّة الكتاب المقدَّس بناءً على أنَّ أقدمَ نسخةٍ خطِّيَّةٍ للتَّوراة لدينا الآن تعودُ إلى القرن الأوَّل قبل الميلاد، وأنَّ عصرَ النبيِّ موسى كان في القرن 13 قبل الميلاد. وادِّعاؤه هو الآتي: مَن يضمنُ أنَّ التوراةَ لم تحرَّفْ في الفترة التي قبلَ القرن الأوَّل قبل الميلاد؟

والحقيقةُ أنَّ الردَّ على هذا الاعتراض هو أمرٌ غايةٌ في البساطة، وهو يَردُ في القرآن نفسه؛ حيث إنَّ القرآنَ يشهدُ بصحَّة الكتاب المقدَّس، ويقولُ إنَّه كلام الله المنزَل والموحى به، وإنَّه لم يتغيَّرْ ولا تحرَّفَ كما يتَّضح في ما يلي:

أوَّلًا: يشهدُ القرآن لصِحَّةِ الكتاب المقدَّس الذي كان مَوجودًا في زمن النبيِّ محمَّد:

1. سورة المائدة (48): ‘‘وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيه’’.

ما معنى ‘‘مصدِّقًا لما بَين يدَيه’’؟ وما المقصود ‘‘بالكتاب’’؟ وما معنى ‘‘مُهَيمِنًا عليه’’؟

أجمعَ المفسِّرون أنَّ الله أنزلَ القرآن بالحقِّ ‘‘مصدِّقًا لما بَين يَدَيه’’، أي يصدِّقُ على ما جاء في الكتاب الموجود في زَمنِ محمَّد، أي التوراة والإنجيل. وتعنيى ‘‘مهيمنًا عليه’’ شاهدًا له [تفسير الجلالَين سورة المائدة 48].

2. سورة آل عمران (3): ‘‘نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيل’’.

3ـ يونُس (37): ‘‘وَمَا كَانَ هَٰذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَىٰ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيه’’.

وردَت في القرآن 12 آية تشهدُ أنَّ القرآن يصدِّقُ على الكتاب المقدَّس، الذي مع أهل الكتاب في زمن محمَّد [وللمزيد عمَّا ذكرْنا من آيات، راجع الآيات التالية: البقرة 41، 89، 91، 97؛ والنساء 46؛ والأنعام 92؛ ويوسُف 111؛ وفاطر 31؛ والأحقاف 22]. فلو كان الكتاب المقدَّسُ محرَّفًا، لما قيل إنَّ القرآنَ مصدِّقًا له وشاهدًا على صحته، وإلَّا كان ذلك طعنًا في القرآن واتِّهامًا له بالتَّزوير، فهل يقبل أيُّ مسلم بذلك في حقِّ القرآن الكريم؟

ثانيًا: يوضحُ القرآنُ أنَّ الله يأمرُ النبيَّ محمَّدًا والمسلمين بالرُّجوع إلى الكتاب المقدَّس

 (1) يحيلُ الله النبيَّ محمَّدًا إلى الكتاب المقدَّس ليُزيلَ ما عنده من شكٍّ في القرآن نفسه:

سورة يونس (94) ‘‘فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ’’.

 [تُعادُ للتَّأكيد].

ماذا يعني هذا الكلام؟ يعني أنَّه إنْ كان محمَّد في شكٍّ من القرآن الذي أُنزلَ إليه، فعليه أن يسألَ اليهودَ والنَّصارى الذين عندهم الكتاب من قَبْلِه، وفي هذا شهادةٌ على صحَّة الكتاب المقدَّس حتَّى زمنه، وإلَّا ما قيل له أن يسألهم؛ لأنْ ليس من المنطق أن يسأل أصحابَ كتابٍ محرَّف!

(2) ويأمر النبيُّ محمَّد بالاقتداء بالكتاب المقدَّس والأنبياء الذين هَداهُم:

سورة الأنعام (90) ‘‘أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِين’’.

ويوضِحُ مجمَعُ اللُّغة العربيَّة في المعجم الوسيط معنى كلمة اقتَدِهْ بالقول: ‘‘يفعلُ مثلَ فِعْلِه، أي يقتَدي به. وفي التنزيل العزيز: "فبِهُداهُمُ اقتَدِهْ"] (المعجم الوسيط الجزء الثاني ص 720)’’. فلو كان الكتاب المقدَّس محرَّفًا في زمن محمَّد، فكيف يأمرُه بأن يقتَديَ بِهداه؟

(3) ويأمرُهم بالرُّجوع إلى أهل الذِّكر، أي أهل الكتاب، ليتعلَّموا منهم إنْ كانوا لا يعلَمون!

سورة النحل (43): ‘‘وَما أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِم فَاسأَلُوا أَهلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُون’’. فلو كانَ الكتابُ محرَّفا في زمن النبيِّ محمَّد، هل كان يأمرُهم بالرُّجوع إلى أهل الكتاب؟

ثالثًا: الآياتُ التي تُثبتُ أنَّ محمَّدًا كان يَستَشهدُبالتَّوراة والإنجيل، اللَّذين كانا في عهده. وهذا دليلٌ على صحَّتهما:

1. سورة القَصَص (49): ‘‘قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ’’.

ما أقوى هذه الشهادة! تذكرُ هذه الآية القرآنيَّة الكريمة أنَّ الكتابَ المقدَّس (التوراة والإنجيل) هو من عند الله، وأنَّه صادقٌ ليتَّبعَه النبيُّ محمَّد.

2. سورة المائدة (68) ‘‘قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ’’. فهو يطلبُ هنا من اليهود والنصارى أن يُقيموا التوراة والإنجيل، وما أنزل الله فيه! أليس في هذا شهادةٌ قويَّة على صحَّة الكتاب وعدم تحريفه في زمن النبيِّ محمَّد؟

3ـ سورة المائدة (43) ‘‘وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّه’’.

تشهد هذه الآية للتَّوراة التي كانت في زمن النبيِّ محمَّد بأنَّ فيها حكمَ الله، أي يشهدُ بصحَّتها، وإلَّا ما قال هذا الكلام.

4ـ المائدة (47) ‘‘وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فِيه…’’.

وتشهدُ هذه الآية أيضًا على صحَّة الكتاب المقدَّس في زمن النبيِّ محمَّد؛ لأنَّه يستَشهدُ به، ويطلب من النَّصارى أن يحكُموا بما أنزل الله فيه.

فإنْ كان الكتابُ المقدس محرَّفًا، فكيف كان النبيُّ محمَّد يَستَشهدُ به؟ هل يَستَشهِدُ بكتابٍ محرَّف؟ أليس استِشهادُه بالكتاب المقدَّس دليلٌ على أنَّه كان سليمًا غيرَ محرَّفٍ في زمانه؟

رابعًا: يشهدُ القرآنُ بأنَّ أهلَ الكتاب حافَظوا عليه، وكانوا شهودًا عليه حتَّى زمن محمَّد.

1. سورة المائدة (44): ‘‘إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاء’’.

ما معنى هذه الآية، ولا سيَّما ‘‘النبيُّون الذِينَ أسلَمُوا’’؟ يقولُ المفسِّرون إنَّهم الأنبياءُ الذين سلَّموا حياتَهم لإرادة الله (تفسير الإمام عبد الله يوسف، ص 261). لا شكَّ أنَّه لا يَعني الأنبياءَ المسلمين أوَّلًا؛ لأنَّه لا يوجَدُ سوى نبيٍّ واحدٍ للإسلام، وثانيًا لأنَّ الإسلامَ لم يكُنْ قد ظهرَ بعد. فهؤلاء الأنبياء يحكُمون على اليهود، أي يُرشِدونهم بما في التوراة من هدًى ونور.

وأهمُّ ما في الآية هو أنَّ الأنبياءَ والربَّانيِّين [أي المعلِّمين؛ فربُّوني بالعبريَّة تعني معلِّمًا. وفي المعجم الوسيط ص 321 نقرأ هذا: الربَّانيُّ هو الذي يعبدُ الله، والكامل العلم والعمل. والأحبار هم العلماء [المعجم الوسيط ص 151].

تقولُ الآية إنَّ هؤلاء جميعًا قد استُؤمِنوا على حِفْظِ كتاب الله والشهادة لصحَّته (تفسير القرآن الكريم للإمام عبد الله يوسف، ص. 261 و262).

2. سورة البقرة (146)، وسورة الأنعام (20): ‘‘الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُم’’.

3. سورة البقرة (121) ‘‘الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِوَمَنْ يَكْفُرْ بِه فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ’’. معنى يقرأونه حقَّ تلاوته كما وردَ في تفسير الجلالين: ‘‘يقرأونه كما أُنزِل’’ إذًا ليس هناك تحريفٌ؛ لأنَّهم كانوا يقرأونه كما أُنزِلَ في زمن محمَّد.

يُرى من هذا كلِّه أنَّ الكتاب المقدَّس لم يكُنْ محرَّفًا حتَّى زمن النبيِّ محمَّد، وذلك بشهادةِ الآيات الواضحة والصريحة.

الادِّعاءُ الثاني

وقوع التَّحريف بعدَ زمنِ النبيِّ محمَّد

هناك فريقٌ آخرُ من المشكِّكين في صحَّة الكتاب المقدَّس، وثبتَ لهم أنَّ ما يقولُه الفريق الأوَّلُ من المدِّعين بوُقوع التحريف قبل زمن النبيِّ محمَّد هو ادِّعاءٌ باطلٌ بحسبِ ما سقناه من أدلَّة وبراهين من آياتٍ من القرآن الكريم نفسه. فقالَ الفريقُ الآخر إنَّ التَّحريفَ وقعَ بعدَ زمن محمَّد!

وللرَّدِّ على هذا الادِّعاء، نورد ما يشهدُ به القرآن الكريم عن بطلان هذا الادِّعاء أيضًا:

أوَّلًا: يشهدُ القرآن أنَّ الكتابَ المقدَّس هو ذكرٌ من عند الله، لذا فالله يحفظُه من التَّحريف.

(1) يشهدُ القرآن أنَّ الكتاب المقدَّس ذِكْرٌ من عند الله:

1.   سورة الأنبياء (7) ‘‘وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ’’.

ما معنى الذِّكْر؟ يجيبُ الإمام عبد الله يوسف علي في (تفسيره ص648): ‘‘الذِّكْرُ هو الرسالة التي من الله’’. وقد تكرَّرتْ هذه الآية بالألفاظ نفسها في:

2.   سورة النحل (43) ‘‘وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ’’.

بهذا يتأكَّد لنا أنَّ الكتاب المقدَّس هو ذِكْرٌ من عند الله.

(2) ويشهدُ القرآنُ أنَّ الله يحفَظُ الذِّكْرَ من التحريف: سورة الحِجْر (9): ‘‘إنَّا نحن نزَّلنا الذِّكرَ وإنَّا له لحافِظون’’.

تجدرُ الإشارة هنا إلى اسم السورة؛ فالبَعْضُ ينطقُها خطأً بسورة الحَجَر، ولكنَّ النُّطْقَ السليم لها هو سورة الحِجْر (انظر الآية 80 من السورة نفسها)، نسبةً إلى جَبَلِ الحِجْر الذي يقع على بُعدِ 150 ميلًا (نحو 240كم) شمال المدينة المنوَّرة، وهي ما كانت تُعرَفُ بمنطقة ثمود (تفسير القرآن للإمام عبد الله يوسف علي ص 632).

الواقعُ أنَّ الذين يطعَنون في صحَّة الكتاب المقدَّس المنزَّل من الله ذِكْرًا ونورًا وهدًى، إنَّما يطعَنون في القرآن نفسه، الذي يقولُ إنَّ الله يحفَظُ الذِّكْر. فلو كان الكتاب المقدَّسُ قد حُرِّفَ، فإنَّ الله يكونُ غير قادرٍ على حِفْظه. وبذلك يُنسَبُ إلى القرآن عدمُ الصحَّة، بل التحريف أيضًا! فهل يَرضى أيُّ مسلمٍ بذلك؟

ثانيًا: تشهدُ الآيات القرآنيَّة أنَّ القرآنَ نفسَه يحفظُ الكتاب المقدَّس من التحريف

1ـ سورة المائدة (48) ‘‘وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ [أي القرآن الكريم] بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ [أي الكتاب المقدَّس التوراة والإنجيل] وَمُهَيْمِنًا عَلَيه’’.

ما معنى ‘‘مُهَيمِنًا عليه’’؟ يقول المفسِّرون الأفاضل إنَّ معناها هو حافظٌ له من التحريف (انظر تفسير الإمام عبد الله يوسف، ص 263).

فلو صحَّ قَولُ المعترضين إنَّ الكتابَ المقدَّسَ محرَّفٌ، فإنَّهم في الواقع يطعنون في القرآن الكريم نفسه بأنَّه لم يستطعْ أن يُهيمنَ على الكتاب المقدَّس، بحسب نصِّ هذه الآية. وهذا طعنٌ في صحَّتها‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍! وحيث إنَّهم لا يقبَلون الطَّعنَ في صحَّة آيات القرآن الكريم، فَلَيس أمامَهم إلَّا أن يتراجَعوا عن ادِّعائهم بتَحريف الكتاب المقدَّس.

ثالثًا: يشهدُ القرآن أنَّ الكتابَ المقدَّس هو كلام الله، لذا لا يمكنُ تحريفه أو تبديله.

(1) يشهدُ القرآنُ أنَّ الكتابَ المقدَّس هو كلام الله المنزَّل:

1. سورة العنكبوت (46): ‘‘وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ... وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِد’’.

 2. سورة النساء (136): ‘‘يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ [أي التوراة والإنجيل] مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا’’.

[وانظر أيضًا سورة المائدة 44، 46، 47، 68؛ سورة البقرة 87، 146؛ سورة الإسراء 2، 55؛ سورة الأنعام 92، 156؛ سورة المؤمنون 49؛ سورة النساء 163؛ سورة فاطر 25؛ سورة النحل 43؛ والأنبياء 25؛ والحديد 27؛ والعنكبوت 46؛ ويونُس 94]. وكلُّها تشهدُ أنَّ الكتاب المقدَّس منزَّلٌ من عند الله.

وما دامَ الكتابُ المقدَّسُ منزَّلًا من عند الله، فهو إذًا كلامُ الله. فكيف يقولُ المعترضون إنَّ كلامَ الله قد حُرِّف؟ ألا يطعَنون أيضًا بهذا الكلام في القرآن نفسه، الذي يقول إنَّه لا تبديلَ لكلماتِ الله؟

(2) يشهدُ القرآن أنَّ كلام الله المنزَّل لا يمكن تبديله:

1. سورة يونس (64): ‘‘لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ’’.

2ـ سورة الأنعام (34): ‘‘وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ الله’’.

وتكمنُ خطورةُ هذه الآية في أنَّ القَولَ ‘‘لا مُبدِّل لكَلِماتِ الله’’ لم تُقَلْ بخصوص القرآن الكريم في هذه الآية، بل بخصوص الأنبياء الذين جاءوا قبل النبيِّ محمَّد. لذا فهي تخصُّ الكتاب المقدَّس. وهذه شهادةٌ قويَّةٌ أخرى على أنَّ الكتابَ المقدَّس لم يتبدَّل ولم يتغيَّر ولم يُحرَّف.

[انظر أيضًا سورة الكهف (27)].

تقولُ هذه الآياتُ بصَريح العبارة إنَّ كلامَ الله لا يمكنُ أن يتغيَّرَ أو يتبدَّل.

ملخَّص

نستطيعُ الآن أن نلخِّصَ ما قُلْناه:

أوَّلًا: ادِّعاءُ تحريف الكتاب المقدَّس ادِّعاءٌ باطل:

1. لأنَّ القرآنَ شهدَ بصحَّته وعدم تحريفه، حتَّى زمن النبيِّ محمَّد.

2. لأنَّ القرآنَ يوضح أنَّ الله أمرَ النبيَّ محمَّد والمسلمين بِالرُّجوع إلى الكتاب المقدَّس الموجود بين أيديهم.

3. لأنَّ النبيَّ محمَّد استَشهَدَ بالتوراة والإنجيل الموجودَين في عهده.

4. لأنَّ القرآنَ شهدَ أنَّ أهلَ الكتاب، اليهودَ والنصارى، قد حافَظوا عليه، وكانوا شهودا عليه حتَّى زمن النبيِّ محمَّد

ثانيًا: ادِّعاء تحريف الكتاب المقدَّس بعد زمن النبيِّ محمَّد باطلٌ أيضًا:

1. لأنَّ القرآنَ الكريم يشهدُ أنَّ الكتابَ المقدَّس هو ذِكْرٌ من عند الله، ويشهدُ أنَّ الله يحفظُ الذِّكْرَ من التحريف.

2. لأنَّ الآياتِ القرآنيَّة تشهد أنَّ القرآنَ نفسَه مُهيمنٌ على الكتاب المقدَّس، أي ويحفظُه من التحريف.

3. لأنَّ القرآنَ الكريمَ يشهدُ أنَّ الكتاب المقدَّس هو كلام الله، وأنَّ الله يحفظُ كلامَه من التحريف.

بناءً على ما سبق:

لا يمكنُ أن يكونَ الكتاب المقدَّس قد تحرَّفَ أو تبدَّل، وإلَّا ووقعَ المعترضُ المسلِمُ في المحظور، وهو الطَّعنُ في كتابه بعدم صحَّة ما يقوله من آيات.

 

فالأفضلُ للمعترض أن يتراجعَ عن اتِّهام الكتاب المقدَّس بالتبديل والتحريف، وكفى الله المؤمنين شرَّ القتال.