شهادة العلم

أوَّلًا: شهادةُ علم الآثار تؤكِّدُ عدم تحريف الكتاب المقدَّس

من المؤكَّد أنَّ الاكتشافات الأثريَّة قد أثبَتَتْ عدم تحريف الكتاب المقدَّس. فبين أيادينا نسخًا خَطِّيَّةً أثريَّةً قديمة للكتاب المقدس تتَّفقُ تمامًا مع ما بين أيدينا من نسخ الكتاب المقدَّس، دون تغييرٍ ولا تبديل ولا تحريف.

 

 

ونذكرُ من تلك النسخ الخطِّيَّة القديمة ما يلي:

1- النسخةُ الفاتيكانيَّة: وهي موجودةٌ الآن في الفاتيكان، والتي يرجعُ تاريخُها إلى ما قبل الإسلام بنحو 250 سنة.

2- النسخةُ السينائيَّة: اكتشفت في دير سانت كاترين بسيناء، وتعود إلى ما قبل الإسلام بما يزيد على 200 سنة، وتوجَدُ الآن في المتحف البريطانيّ.

3- النسخةُ الإسكندريَّة: يعودُ تاريخُ كتابتها إلى ما قبل الإسلام بنحو 200 سنة أيضًا، وتوجَدُ كذلك بالمتحف البريطانيّ.

4- مخطوطاتُ قمران: كتب الأستاذ عبَّاس محمود العقَّاد في المقالة الافتتاحيَّة في مجلَّة الهلال عدد كانون الأوَّل/ديسمبر 1959م تحت عنوان: ‘‘كنوز وادي قمران’’، وقال فيها: ‘‘اكتُشفَتْ هذه المخطوطات الأثريَّة في أحد كهوف وادي قمران شرق الأردن. وهي مخطوطاتٌ من 2000 سنة [أي قبل ظهور الإسلام بما يزيد على ستَّة قرون]. وتبيَّنَ بعد تهيئة المخطوطات للاطِّلاع عليها أنَّ أهمَّ ما فيها هو نسخةٌ كاملةٌ من سفر إشعياء، إضافةً إلى عدَّة أسفارٍ مقدَّسة أُخرى... وأنَّه لا توجد بينها وبين الأسفار الموجودة بين أيدينا الآن أيُّ اختلافٍ ولا تبديل’’.

هكذا تُرى بوُضوح شهادةُ علم الآثار الذي لا يكذبُ لصحَّة الكتاب المقدس وعدم تحريفه. نأتي الآن إلى الإثبات الآخر على صحَّة الكتاب المقدَّس وعدم تحريفه من:

ثانيًا: شهادة علماء الإسلام عن عدم تحريف الكتّاب المقدّس 

لقد أفاضَ علماءُ الإسلام الأفاضل في الحديث بصحَّة الكتاب المقدَّس وعدم تحريفه، ونكتفي بأقوال بعضهم:

1- الإمام محمَّد بن إسماعيل البخاري: قال في صحيحه عن تفسير الآية الكريمة القائلة: (يحرِّفون الكلام عن مواضعه) أي يُزيلون، والواقعُ أنْ ليس أحدٌ يزيلُ لفظ كتاب من كتب الله، ولكنَّهم يحرفونه أي يتأوَّلونه على غير تأويله [أي يفسِّرونه على غير التَّفسير الصحيح].

2. وقال هو نفسه في كتابه ‘‘فتح الباري في شرح صحيح البخاري’’ ما يلي: ‘‘سُئِلَ ابن تَيمِية عن هذه المسألة، فأجاب في فتواه: من أقوال العلماء …لا تبديلَ إلَّا في المعنى’’.

3. قال العلَّامة شاه ولي الله في كتابه ‘‘الفوز الكبير في أصول التفسير’’ التالي: ‘‘في ترجمة التوراة وتفسير النصوص، حرَّف اليهود معنى بعض الآيات ولكنَّهم لم يحرِّفوا النصَّ الأصليّ، واتَّفقَ على هذا القول ابن عباس أيضًا’’.

4. الإمام فخر الدين الرازي: في التفسير الكبير في سورة البقرة (174) عن ابن عباس قال إنَّهم كانوا يحرِّفون ظاهرَ التَّوراة والإنجيل وهذا ممتنَع، لأنَّهما كانا كتابَين بلغا في الشهرة والتواتر إلى حيثُ يتعذَّرُ ذلك فيهما، بل كانوا يكتِمون التَّأويل’’.

5. وقال أيضًا في تفسير سورة آل عمران (78): ‘‘كيف يمكنُ إدخالُ التحريف في التوراة مع شهرتها العظيمة بين الناس؟’’.

6. وقال أيضًا في تفسير سورة النساء (46): ‘‘إنَّ المرادَ بالتَّحريف إلقاءُ الشبهة الباطلة والتأويلات الفاسدة، وجرِّ اللَّفظ من المعنى الحقِّ إلى الباطل بِوُجود الحيل اللَّفظيَّة، كما يفعلُ أهل البدعة في زماننا هذا بالآيات المخالفة لمذهبهم’’.

7. وقال أيضًا في تفسير الدرِّ المنثور في سورة البقرة: ‘‘وأخرجَ ابن المنذر وابن أبي حاتم عن وهب بن منبه قال: "إنَّ التوراةَ والإنجيلَ كما أنزلهما الله لم يُغيَّر منهما حرف، ولكنَّهم يضلُّون بالتَّحريف والتأويل بكتبٍ كانوا يكتبونها من عند أنفسهم، ويقولون هي من عند الله وما هي من عند الله، فأمَّا كتبُ الله فهي محفوظةٌ لا تحوَّل’’.

8. وفي تفسير الجلالَين للآية الكريمة: ‘‘إنَّا نحن نزَّلنا الذِّكرَ وإنَّا له لحافِظون’’ جاء ما يلي: ‘‘أي حفظَه الله من التبديل والتحريف والزيادة والنقصان’’.

9. كتب الأستاذ عبَّاس محمود العقَّاد- كما سبق أن أوضحنا- في مجلَّة الهلال عدد كانون الأوَّل/ديسمبر 1959م، في المقالة الافتتاحيَّة تحت عنوان: ‘‘كنوز وادي قمران’’، قال فيها: ‘‘اكتُشفَتْ هذه المخطوطات الأثريَّة في أحد كهوف وادي قمران شرق الأردن. وهي مخطوطاتٌ من 2000 سنة [أي قبل ظهور الإسلام بما يزيد على ستَّة قرون]. وتبيَّنَ بعد تهيئة المخطوطات للاطِّلاع عليها أنَّ أهمَّ ما فيها هو نسخةٌ كاملةٌ من سفر إشعياء، إضافةً إلى عدَّة أسفارٍ مقدَّسة أُخرى... وأنَّه لا توجد بينها وبين الأسفار الموجودة بين أيدينا الآن أيُّ اختلافٍ ولا تبديل’’.

10. قال الأستاذ علي أمين في كتابه ‘‘ضحى الإسلام’’ الجزء الأوَّل ص 358 ما يلي: ‘‘ذهبَتْ طائفةٌ من أئمَّة الحديث والفقه والكلام، إلَّا أنَّ التبديل وقعَ في التأويل لا في التنزيل… ومن حُجَّة هؤلاء أنَّ التوراة طبَّقتْ مشارقَ الشمس ومغاربها [قبل ظهور محمَّد والقرآن]، ولا يَعلمُ عددَ نسخها إلَّا الله، ومن الممتنع أن يقعَ التَّواطُؤ على التبديل والتغيير في جميع تلك النسخ، بحيث لا تبقى في الأرض نسخةٌ إلَّا مبدَّلةٌ ومغيَّرة على منهجٍ واحد. وهذا ما يمنعه العقل، ويشهدُ ببطلانه’’.

بعدَ هذا العرض البسيط، أريدُ أن أُجمِلَ ما قلناه عن صحَّة الكتاب المقدَّس وعدم تحريفه في النقاط التالية:

أوَّلًا: تكلَّمْنا عن آياتِ القرآن الكريم التي توحي بالتَّحريف، وثبتَ لنا أنَّ تلك الآيات الأربعةَ لا تتكلَّم عن وقوع ما يُسمَّى ‘‘بالتحريف’’ في ألفاظ الكتاب المقدس، بل في تفسير معانيه بخصوص قضيَّةِ رَجْمِ أو جَلْدِ الرجل الزاني، ومسألة النبيِّ الآتي أم النبيِّ الأُمِّيّ. ولا علاقة لذلك بجَوهرِ الكتاب المقدَّس وألفاظه وكلماته.

ثانيًا: ثبتَ لنا أيضًا أنَّ ادِّعاءَ تحريف الكتاب المقدَّس قبل زمن النبيِّ محمَّد هو ادِّعاء باطل:

1. لأنَّ القرآن شهدَ بصحَّته وعدم تحريفه حتَّى زمن النبيِّ محمَّد (آل عمران 3): ‘‘نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيل’’.

2. يوضحُ القرآن أنَّ الله أمرَ النبيَّ محمَّد والمسلمين بالرُّجوع إلى الكتاب المقدَّس الموجود بين أيديهم. سورة يونس (94): ‘‘فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ’’.                  

3. استَشهَدَ النبيُّ محمَّد بالتَّوراة والإنجيل الموجودَين في عهده، وذلك في سورة القَصَص (49): ‘‘قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ’’.

4. شهادة القرآن بأنَّ أهل الكتاب، اليهودَ والنصارى، قد حافظوا عليه وكانوا شهودًا عليه حتَّى زمن النبيِّ محمَّد. سورة المائدة (44): ‘‘إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَوَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ’’.

ثالثًا: ادِّعاء تحريف الكتاب المقدَّس بعد زمن النبيِّ محمَّد باطلٌ أيضًا:

1. لأنَّ القرآنَ الكريم يشهدُ أنَّ الكتاب المقدَّس هو ذِكْرٌ من عند الله، ويشهدُ أنَّ الله يحفَظُ الذِّكر من التحريف. سورة الحِجْر (9): ‘‘إنَّا نحن نزَّلنا الذِّكرَ وإنَّا له لحافِظون’’.

2ـ شهادةُ الآيات القرآنيَّة أنَّ القرآنَ نفسَه مُهيمِنٌ على الكتاب المقدَّس، أي يحفظُه من التحريف. سورة المائدة (48): ‘‘وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ [أي القرآن الكريم] بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ [أي الكتاب المقدَّس التوراة والإنجيل] وَمُهَيْمِنًا عَلَيه’’.

3. يشهدُ القرآن الكريم أنَّ الكتابَ المقدَّس هو كلامُ الله، وأنَّ الله يحفظُ كلامَه من التَّحريف. سورة الأنعام (34): ‘‘وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّه’’

رابعًا: ثبتَ لنا أيضًا عدمُ تحريف الكتاب المقدَّس بشهادة ما يلي:

1. المنطق: وذلك لاستحالة تحريف الكتاب المقدَّس في بقاع الأرض كلِّها مع تَبايُنِ الأديان والمذاهب واللُّغات.

2. علم الآثار: والذي كشفَ عن المخطوطات القديمة التي تعودُ إلى ما قبل الإسلام بمئات السنين، وثبتَ أنَّها مُطابقةٌ للكتاب المقدَّس الموجود الآن بين أيدينا.

3. أقوال علماء الإسلام الأفاضل: وذلك بما قالوه من عباراتٍ تقطعُ الشكَّ باليقين من جهةِ صحَّة الكتاب المقدَّس.

وبناءً عليه، أختمُ بما قلتُه في الفصل السابق: إنَّه لا يمكنُ أن يكونَ الكتاب المقدَّس قد تحرَّفَ أو تبدَّل، وإلَّا ووقعَ المعترضُ المسلِمُ في المحظور، وهو الطَّعنُ في كتابه بعدم صحَّة ما يقوله من آيات. والأفضل للمعترض أن يتراجعَ عن اتِّهام الكتاب المقدَّس بتهمة التحريف والتبديل ‘‘...ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُون’’ (سورة التوبة 41).